" التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد " للإمام أبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري, كتاب عظيم مكث في تصنيفه ثلاثين عاما, وأودعه من نفائس العلوم والفنون ما يعجز اللسان عن وصفه, فالكتاب عني بالموطأ, وبأقوال مالك ومذهب مالك, وأشار إلى المذاهب الأخرى, وله اختيارات وترجيحات يخالف فيها مذهب الإمام رحمه الله, فابن عبد البر حافظ المغرب وهو إمام من أئمة المسلمين، وقال ابن حزم عن كتابه هذا: "إنه لا يعلم في الكتب في الكلام على فقه الحديث أنفس من هذا الكتاب, بل لا يعلم ما يماثله ولا يدانيه ولا يقاربه", هذا الكتاب رتبه ابن عبد البر على شيوخ الإمام مالك في موطئه, ولذا يصعب الوقوف على الأحاديث المرادة منه إلا بعد معرفة الشيخ, ثم الشيوخ رتبهم على حروف الهجاء على طريقة المغاربة, وهي أيضا تختلف عن ترتيب طريقة المشارقة, فالصعوبة من جهتين من كونه مرتب على الشيوخ, ولو كان مرتب على الأبواب على ترتيب مالك رحمه الله لكان أولى, لكن هذه وجهة نظر الإمام ابن عبد البر, تمنينا طويلا أن يرتب على ترتيب الموطأ, فخرج له ترتيبات كثيرة منها أول ما خرج له ترتيب " المغراوي " وهو من شيوخ المغرب, وهو ترتيب ابتكره, قدم فيه مسائل الاعتقاد وعناية الشيخ المغراوي بالعقيدة معروفة حفظه الله, لكن كنت أتمنى أن يرتب الكتاب على ترتيب الإمام مالك في الموطأ بحيث يسير على أحاديث الموطأ تفسه.
فالكتاب إما أن يبقى على أصله ترتيب ابن عبد البر, أو يُرْجع إلى أصل الأصل وهو ترتيب الإمام مالك رحمه الله, فخرج له أكثر من ترتيب بهذه الصفة تحقيقاً لهذه الأمنية, ومن أفضل ما وقفت عليه من هذه الترتيبات: ترتيب الشيخ عطية سالم رحمه الله وله عناية فائقة بالموطأ, وعناية بالإمام مالك على وجه الخصوص, فجاء ترتيبه على الوجه المناسب, وهو من أهل الخبرة بالموطأ وله معرفة بكتب ابن عبد البر. وترتيب الشيخ عطية سالم طبع قبل ثمان أو تسع سنوات. وهو الذي رتبه بيده ومشى على الموطأ, ولما كانت طباعة " التمهيد " لابن عبد البر قد طالت حتى استغرقت خمس وعشرين سنة, فكان الشيخ رحمه الله كل ما يخرج جزء يرقم الحديث برقم الموطأ, ثم بعد ذلك يرتب هذه الأحاديث, ثم إذا خرج الثاني أضاف ما فيه من أحاديث على الطريقة التي اتبعها, ثم خرج كتاب " التمهيد " مرتباً ترتيب الموطأ, وهذا عمل جليل, وقد يبدو في ظاهر الأمر أنه ليس بشيء مجرد تقديم وتأخير و ترتيب, لكنه عمل جيد مفيد يفيد طالب العلم كثيراً.
الإمام ابن عبد البر عُني بشرح الأحاديث المرفوعة في هذا الكتاب, وأبدع في كتابه, وكمله بكتاب آخر أسماه " كتاب الاستذكار في بيان مذاهب فقهاء الأمصار " أي من خلال الموطأ شرح فيه الأحاديث المرفوعة والموقوفات, وأشار إلى أقوال مالك, وأقوال غيره من أهل العلم, فالاستذكار جاء تكميلاً للتمهيد الذي هو لما في الموطأ من المعاني والأسانيد, معاني وأسانيد هذا " التمهيد ", هذه الصفة الغالبة, وفيه كلام كثير على فقه الحديث, لكن الكلام على الأحكام في " الاستذكار" أظهر, وهما كتابان متكاملان فلو جمع بينهم. والمحقق " للاستذكار" نقل بعض النقول مما يحتاج إليه من " التمهيد " فطال الكتاب جداً حيث خرج في ثلاثين جزءاً. وهو أقصر من التمهيد.
معالي الشيخ عبد الكريم الخضير-حفظه الله-